|
|
|
الدعاء سلاح المؤمنين وعمود الدين ونور السماوات والأرض |
|
قال الله تعالى في كتابه الكريم: {وَإذا سَألَكَ عِبادي عنّي فإنّي قَريبٌ أُ جيبُ دَعوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ فَليَستَجيبُوا لي وليُؤمِنوا بي لَعَلّهُم يَرشُدُون} البقرة 186، للدعاء أهمية كبيرة في حياة الإنسان، فهو يعمل على تحقيق ودوام الصلة بين العبد وربه، وللدعاء تأثيرات كبيرة في نفس الداعي، فهو وبالدرجة الأولى يساهم في زيادة حب العبد لربه، وكذلك فهو يرفع اليأس ويُلهمِ الأمل ويعيد للقلب حيويته ويساعد في تزكية النفس وتطهيرها، ويعتبر الدعاء أيضاً أفضل وسيلة لعلاج داء الكِبر والاستكبار، الذي يعتبر مِن أعظم الحجُب بين العبد وربه، لما يجب أن يتضمنه الدعاء مِن خشوع وخضوع واعتراف بالنقص والضعف والذلة لله سبحانه وتعالى. كذلك فإن للدعاء التأثير الكبير في دفع الضرر والسوء، قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: ـ إنّ الدعاء يَرُد القضاء المبرَم بعدما أبرِمَ إبراما فأكثروا مِنَ الدعاء فإنهُ مفتاح كل رحمة ونجاح كل حاجة ولا يُنال ما عندَ الله إلا بالدعاء، إنهُ ليسَ مِن باب يكثر قرعَهُ إلا ويوشَك أن يُفتح لصاحِبهِ ـ 1 ـ، وقد عبر القرآن الكريم عن الدعاء بالعبادة، قال تعالى: {وقالَ رَبُكُمُ ادعوني أستَجِب لَكُم إنَ الذينَ يَستَكبِرونَ عَن عِبادَتي سَيَدخُلُونَ جَهَنّمَ داخِرين} غافر 60، وقال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: ـ الدعاء مخ العبادة ولا يَهلَك معَ الدعاءِ أحَد ـ 1 ـ وقال أيضاً: ـ الدعاء سلاحُ المؤمنين وعَمود الدين ونور السماواتِ والأرض ـ 2 ـ مما تقدم نفهم تأكيد القرآن الكريم وحث الرسول الأعظم والأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام على موضوع الدعاء، وبالإضافة إلى ذلك فقد وضحت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة كيفية الدعاء وآدابه وشروطه. قال الله تعالى: {ادعُوا رَبّكُم تَضَرُّعاً وخُفيَةً إنَهُ لا يُحِبُ الـمُعتَدين * ولا تُفسِدوا في الأرضِ بَعدَ إصلاحِها وادعوهُ خَوفَاً وطَمَعَاً إنَ رَحمَتَ اللهِ قَريبٌ مِنَ الـمُحسنين} الأعراف 55-56 توضح لنا هاتين الآيتين الكريمتين آداب الدعاء حيث قال تعالى في الآية الأولى تضرعاً وخفية، والتضرّع هو التذلل، أما الخفية فهي الاستتار لكي يكون الدعاء أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص وكذلك فإن الدعاء سراً يساعد على تركيز الفكر وحضور القلب، أما عبارة إنه لا يحب المعتدين فهي عبارة لها معاني واسعة تشمل كل نوع من أنواع العدوان والتجاوز في الدعاء، كرفع الصوت عالياً جداً عند الدعاء أو التظاهر أو التوجه لغير الله عند الدعاء. أما الآية الثانية فقد بدأت بلا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ونفهم منها أنه يجب أن يكون الدعاء مقرون بالجوانب العملية البناءة وفي حدود المستطاع فلا تستجاب أدعية المفسدين أو العصاة. ثم قالت الآية وادعوه خوفاً وطمعاً وهذا يعني أنه يجب أن يكون الدعاء مقروناً بخوف وأمل متوازنين، وقد قيل في التفاسير الخوف من العقاب والطمع في الثواب وقيل أيضاً خوف من رد الدعاء وطمع في الإجابة أو الخوف من عدل الله تعالى والأمل في فضله ورحمته أو الخوف من النار والطمع في الجنة، وكل هذه الحالات جيدة وصحيحة، وختمت الآية الثانية بقوله تعالى إن رحمت الله قريب من المحسنين، ومن هنا نفهم أن الدعاء يكون أقرب للإجابة إذا ما توفرت به الشروط اللازمة لاستجابته والتي من ضمنها أن يكون الدعاء مقرون بالبر والإحسان وفعل الخيرات. ومن شروط استجابة الدعاء أيضاً هو أن يكثر العبد من الحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى ثم يصلي على رسول الله وآله الأطهار عليهم الصلاة والسلام ثم يدعو، قال أبو عبد الله عليه السلام: ـ إياكم أن يسأل أحد منكم ربه شيئا من حوائج الدنيا والآخرة حتى يبدأ بالثناء على الله عز وجل والمدحة له والصلاة على النبي وآله ثم الاعتراف بالذنب ثم المسألة ـ 1 ـ وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام: ـ إذا كانت لك إلى الله حاجة فابدأ بمسألة الصلاة على النبي وآله عليهم السلام ثم سل حاجتك فان الله أكرم أن يسأل حاجتين فيقضى إحداهما ويمنع الأخرى ـ 1 ـ وقد نتساءل ماذا ندعوا لنجد الجواب أيضاً في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ـ لا تَـعجَزوا عَنِ الدُعاء فإنهُ لم يَهلَك معَ الدعاءِ أحد وليَسأل أحَدكُم ربَه حتى يَسألهُ شسع نَعلهِ إذا انقَطَع واسألوا الله مِن فَضلِهِ فإنهُ يُحِبُ أن يُسأل ـ 1 ـ، وقد جاء في الحديث القدسي ـ يا موسى سَلني كُلّ ما تحتاج إليه حتى عَلف شاتِكَ وملحِ عَجينِكَ ـ 3 ـ، ومن هذا نفهم أنه يجوز لنا أن ندعوا لكل أمر مهما كان بسيطاً، لكن تبقى الأدعية المأثورة والمروية عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم خير الأدعية وذلك لما تحتويه من أهداف سامية ومعاني حقيقية تضمن لنا السعادة في الدنيا والآخرة أما بالنسبة لأوقات الدعاء، فيفضل الدعاء في أوقات السحر بعد صلاة الليل ووقت الزوال وكذلك في ليالي الـجُمع وأيامها وخصوصاً آخر ساعة من يوم الجمعة إلى غروب الشمس وقد ورد أن فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها كانت تدعو في تلك الساعة، وقد ورد أيضاً عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أن الدعاء ما بين الأذان والإقامة لا يُرد، وعن الصادق عليه السلام أنه قال: ـ ثلاث أوقات لا يُحجَب فيها الدعاء عَنِ الله تعالى: في أثر المكتوبة وعند نزول المطر وعند ظهور آية معجزة لله تعالى في أرضه ـ 1 ـ ومع أنه لا يُكره الدعاء في أي وقت من الأوقات إلا أن الأوقات السابقة هي أفضل من غيرها، ومن الأفضل أيضاً أن يكون الدعاء عند حضور القلب والانقطاع لله سبحانه وتعالى وأن يكون الداعي على وضوء وطهر. وأقرب ما يكون العبد إلى ربه في السجود ومن المهم هنا أن نذكر ضرورة أن لا يكون الدعاء في أوقات الشدة والحاجة فقط، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ـ مَن سرّهُ أن يَستَجيبَ الله سبحانهُ لهُ في الشَدائد والكُرَب فلـيُكثِر الدعاء عندَ الرَخاء ـ 1 ـ وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام: ـ ادفَعوا أمواجَ البلاء بالدعاء ما الـمُبتلى الذي قدِ اشتَدّ بهِ البلاء بأحوَج إلى الدعاء مِنَ الـمُعافى الذي لا يأمَنِ البلاء ـ 1 ـ ولنتأمل في هذا الحديث العظيم لأمير المؤمنين عليه السلام ولنجعله نصب أعيننا وكثير ما نسمع من بعض الأشخاص قول أدعو ولا يستجاب لي دعائي، وأود أن أشير هنا إلى أن من الضروري جداً أن يكون للداعي حسن الظن بالله سبحانه وتعالى عند دعائه وليظن أن حاجته مقضيّة، قال الإمام جعفر الصادق صلوات الله وسلامه عليه: ـ عليكُم بالدعاء فَإنهُ شِفاء مِن كُل داء وإذا دَعَوتَ فظُن أنَ حاجَتكَ بالباب ـ 1 ـ، وحتى لو أبطأت الإجابة أو لم يُستجاب الدعاء فمن المهم جداً أن لا يقنط الداعي وليعلم أن أجر ذلك عند الله عظيم، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام: ـ ربما أخِرَت عنِ العَبدِ إجابةِ الدعاء ليكون أعظَم لأجرِ السائل وأجزَل لعطاءِ الآمِل ـ 1 ـ، وقد لا يستجيب الله دعاء العبد رحمةً به لأنه قد يدعو بما يضره، وقد ورد في دعاء الافتتاح أحلى تعبير عن هذا الموضوع وذلك في فقرة ـ فإن أبطَأ عنّي عَتِبتُ بِجَهلي عَلَيك ولَعلّ الذي أبطأ عنّي هو خيرٌ لي لِعِلمِكَ بِعاقِبَةِ الأمور ـ وقد ورد أيضاً في الأحاديث المروية عن الأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام إن الله يؤخر إجابة المؤمن شوقاً إلى دعائه ويقول صوت أحب أن أسمعه، ويعجل إجابة دعاء المنافق ويقول صوت أكره سماعه. من بعد ما تقدم، نفهم أن من واجبنا عدم اليأس عند تأخير الإجابة، بل على العكس يجب أن يكون عندنا حسن ظن بالله تعالى ولنعلم أن مجرد التوفيق للدعاء هو أعظم من طلباتنا الدنيوية العاجلة، ولنتأمل في هذا وهناك أمر مختلف يجب علينا ملاحظته، وهو أنه قد لا يُستجاب دعاء الإنسان إذا كثرت حُجُب الذنوب بينه وبين ربه، وقد جاء في دعاء كميل ـ اللهمَ اغفِر ليَ الذنوبَ التي تَحبِسُ الدعاء ـ، فمن أهم أسباب عدم استجابة الدعاء وكما وردت في الأحاديث الشريفة والروايات هي: الطعام الحرام، تأخير الصلاة عن وقتها، ترك الصدقة والإنفاق في سبيل الله تعالى، سوء النية، النفاق، اللسان السيئ البذيء الذي يخشاه الناس، وكذلك الدعاء بالإثم أو السوء أو قطيعة الرحم. كما وتجدر الإشارة هنا إلى أن من إحدى أهم عوامل عدم استجابة الدعاء هي جعل الدعاء بديلاً عن بذل الجهد والعمل من قِبل الإنسان، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ـ يا علي الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر ـ 1 ـ، فعلى الإنسان أن يسعى ويبذل جهده لتحقيق ما يصبو إليه ويترك الباقي على الله، عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام قال: ـ أربعة لا تستجاب لهم دعوة: رجل جالس في بيته يقول اللهم ارزقني فيقال له ألم آمرك بالطلب ورجل كانت له امرأة فدعا عليها فيقال له ألم أجعل أمرها إليك ورجل كان له مال فأفسده فيقول اللهم ارزقني فيقال له ألم آمرك بالاقتصاد ألم آمرك بالإصلاح ثم قال والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ورجل كان له مال فأدانه بغير بينة فيقال له ألم آمرك بالشهادة ـ 4 ـ و قد حث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام على الدعاء لكافة المؤمنين، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ـ إذا دعا أحدكُم فليعم فإنهُ أوجب للدعاء ومن قدّمَ أربعينَ رجلاً مِن إخوانهِ قبلَ أن يدعو لنفسهِ استجيبَ لهُ فيهِم وفى نفسهِ ـ 5 ـ وقال أبو الحسن عليه الصلاة والسلام: ـ مَن دَعا لإخوانهِ مِنَ المؤمنينَ وكّلَ الله بهِ عَن كُلّ مؤمنٍ مَلَكاً يدعو لَه وما مِن مؤمنٍ يدعو للمؤمنينَ والمؤمنات والمسلمينَ والمسلمات الأحياءَ مِنهُم والأموات إلا رَدّ الله عَليه مِن كُلّ مؤمنٍ ومؤمنة حَسَنة منذُ بَعَثَ الله آدمَ إلى أن تقومَ الساعة ـ 1 ـ ولا تنسى أخي المؤمن الدعاء لإمام العصر والزمان الحجة المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف وجعلنا وإيّاكم من أتباعهِ وأعوانهِ والمستشهدين تحت لوائهِ ولا تنسوني بفاضل دعائكم يرحمكم الله أمَةِ الزهراء المصادر |