| ما ذاك إلاّ لما في الدار من حرم |
|
بابُ المعارِفِ مفتوحٌ لقارعه |
| وكف يقرعُ بابٌ وهو مفتوحُ |
|
وليس يقرع بذا الباب غير فتى |
| له قليبٌ به وجدٌ وتبريح |
|
والشخص ذو بصرٍ والصدرٌ مشروعُ |
لحظات التجلي والارتقاء لدى المؤمن العارف هي جواز السفر للمرور في طرف الحقيقة وصولا إلى مرسى سفنها وبالتالي شاطئها الأمان . فالحج هذا المؤتمر السنوي الذي يعقد كل عام له أبعاد روحية ومعان عرفانية ودلالات إنسانية فضلا عن العناصر الأخلاقية الكريمة ، فالمسلمون مجتمعون من كل حدبٍ وصوب من كل الأجناس لا فرق بين أسود وأبيض ، غني وفقير ، عربي وأعجمي جاءوا كلهم تلبية لنداء الله – سبحانه وتعالى – لتأدية فريضة أوجبها الله على من أستطاع إلى ذلك سبيلاً : ( ولله على النّاس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً) (1) .
ففي الحج دلالات ودلالات فعندما يقف المسلم المؤمن القاصد ربه بنية سليمة وفطرةٍ نقية على جبل عرفة ويبدأ بمناجاة ربه طالباً العفو والمغفرة متضرعا إلى العلي الأعلى يسأله التوبة وما زال يلح بالطلب والسؤال ليصل إلى حالة الرقي والتجلي ليجلو مرآة قلبه من الصدأ والدرن والوسخ الذي علق عليها وليميط عنها الحجاب الذي يحجبها من حالة النقاء التي ينشدها ليصل إلى " الحقيقة " غاية المؤمن ومنتهى مراده وتلك الحقيقة لا تأتي إلاّ بالمجاهدات والرياضات الروحانية كما قال الفلاسفة لتظهر ناصعة و بأبهى صورها ، وبالتالي لتجلو الروح التي أستخدمها الله في ارض البدن وحشرها في برزخ الجسد للوصول إلى عوالم المطلق . العالم المطلق أو الحقيقة المطلقة هي الذات الإلهية هي غاية المؤمن والاتحاد بها هي غاية الصوفي . ولكن أنّى يتأتى ذلك ؟! فالقلوب والهة ومتعطشة إلى معرفة السر .
أن في جسر المؤمن مضغة ، هذه المضغة بها يصل المؤمن إلى معرفة السر ، يقول النبي "ص" : ( إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب ) .
ويقول أيضا : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ) ويقول مخبراً عن ربه : ( ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ) (2) .
والحج فريضة فيها فلسفة عظيمة ومبادئها تقول على معان روحية وعرفانية تترجم لمكارم الأخلاق التي جاء بها القرآن الكريم وعلمنا إياها الرسول المصطفى "ص" من شكر وزهد وإيمان وتقوى وصبر ، فمن قصد بين الله يشكر الله لما من به عليه ومنحه الاستطاعة والمقدرة ليقف في بيت الله الحرام ويطرق أبواب الرحمة الإلهية في ساحة الحضرة الإلهية لينال الدرجة الرفيعة والمقام العلوي ليتطهر من ذنوبه ويرجع كيوم ولدته أمه : مصداق ذلك قوله "ص" ( من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، رجع كما ولدته أمه ) ، وقوله "ص" : ( العمرة إلى العمرة لما بينهما . والحج المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنة ) (3) .
هناك تتجلى المعرفة الحقيقة وهي معرفة الإنسان لنفسه والمعرفة أقسام : وهي عند الصوفية معرفة الله وهي دعاية الدين : ( إنها من عرف الحق سبحانه بأسمائه وصفاته ثم طال بالباب وقوفه ودام بالقلب اعتكافه ) (4) .
هذه الإيماءات أو اللفتات أو الشيطحات عند الصوفية توحي بشيء من المعرفة الحقيقة وهي معرفة النفس .
قال رسول الله "ص" : ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) فالمؤمن يعرف نفسه بإقباله على ربه بيقين صادق ويبدأ بتهذيب نفسه ليستكمل فضائلها ويدع ما فيه الخسران فالشاعر يقول
| أقبل على النفس وأستكمل فضائلها |
|
يا خادمَ الجسم كم تسعى لخدمتِهِ |
| فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان |
|
هل تطلب الربح بما فيه خسران |
هكذا يحقق الإنسان كمالاته : كمالاته الخليقة في ذاته المعنوية بمعرفة نفسه وكبح جماحها ورفعها عن مستوى الرذيلة فمن عرفها فقد عرف خالقها كما قال سيد العارفين المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام .
وللصحابة الأوائل من صحابة رسول الله "ص" خصوصية بالإشارات اللطيفة والمعاني العرفانية الجلية وعبارات المعرفة والنفحات الإيمانية فهذا الإمام علي بن أبى طالب "عليه السلام" وهو تلميذ رسول الله "ص" وخريج المدرسة المحمدية تلميذ على يديه معاني الإيمان والمعرفان . قيل له : بم عرفت ربك ؟
فقال : ( بما عرَّفني نفسه ، لا تشبهه صورة ، ولا يدرك بالحواس ولا يقاس بالقياس ، قريب في بعده كبعيد في قربه ، فوق كل شيء ولا يقال شيء تحته ، وتحت كل شيء ولا يقال شيء فوقه ، أمام كل شيء ولا يقال شيء أمامه داخل في الأشياء لا لشيء ولاين شيء ولا في شيء ولا بشيء سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره ) (5) .
ومن الدلالات الأخرى لفريضة الحج هو قبول توبة العبد ، وهي أول مقامات العارفين وأول منزل من منازل الساكنين ، فالمسلم المؤمن حاج بيت الله وهو في ساحة الحضرة الإلهية يقبل الله توبته (وتوبوا إلى الله جميعا) (6) ، وقال "ص" (التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) و للتوبة شروط : انتباه القلب من رقدة الغفلة ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة (7).
وهكذا تتجلى المعاني العرفانية في بيت الله منذ أن بناه خليل الله إبراهيم منها ما رواه البخاري عن أبن عباس حبر الأمة " رضوان الله عليه" قوله : جاء إبراهيم "ع" بأم إسماعيل وولدها إسماعيل وهي ترضعه ، حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء ، فوضعها هناك ، ووضع عندها جواباً فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم انطلق فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ، فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : ألله آمرك
بهذا ؟ قال : نعم ، قالت إذا لا يضِّيعنا ، ثم رجعت فانطلق إبراهيم واستقبل بوجهه البيت ثم دعا ورفع يديه قائلاً : ( رَبّنا إني أسكنتُ من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصَّلوة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ورزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) (8) .
الموقف الأخر هو ما حصل لأم إسماعيل وابنها إسماعيل بعد نفاذ الماء في الشقاء فعطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه فإذا به يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه وهو في تلك الحال فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا ، فلم تر أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي ، رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعي الإنسان المجهود ثم جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليه ، فنظرت هل ترى أحدا فلم تر أحداً ن ففعلت ذلك سبع مرّات . قال أبن عباس . قال النبي "ص" ( فلذلك سعي الناس بينهما ) . فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فإذا هي بالملك عند موضوع زمزمه فبحث بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوَّضه وتعرف الماء في سقائها فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك لا تخافي الضَّيعْة ، فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام (إسماعيل) وأبوه ، وإن الله لا يضيع أهله ، (9) .
باليقين والأيمان الذي كانت تتحلى به أم إسماعيل حيث أوكلت الأمر عند من لا ضيّع عنده أحد فأنقذها وأبنها من الهلاك رغم أنهم في واد غير ذي زرع كما نص عليه القرآن الكريم .
الموقف الآخر ما حصل لعبد المهلب بن هشام سيد قريش جد المصطفى "ص" وعبد المطلب كان صادق اليقين مؤمنا بالله إيمانا كبيرا ، فعندما وصل إبرهة الحبشي عام الفيل إلى أرباض مكة وبعث رجلاً يسأل عن أمير مكة ويبلغه أن إبرهة لم يأت لقتالهم وإنما أتى لهدم البيت الحرام فإن لم يمنعوه فهم في مأمن منه ، فلما لقي الرسول عبد المطلب وأبلغه رسالة إبرهة قال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه . وأنطلق به إلى إبرهة وأدخله عليه وكان عبد المطلب كما يقول الرواة رجلاً مهيباً عظيما فلما رآه إبرهة نزل عن سريره وأجلسه معه وسأله عن طلبته فقال : الإبل التي ساقها جندك .
فقال له إبرهة : أتسأل عن البعير وتترك البيت الذي هو دين آبائك ودينك من بعدهم ؟
فقال عبد المطلب قولته العظيمة المشهورة والتي تجمعت فيها كل المعاني الإيمانية من صدق وثقة ويقين بالله سبحانه وتعالى بأنه رب البيت وسيحميه قائلا : ( للبيت رب يحميه ) .
وأمر إبرهة برد الإبل وساقها عبد المطلب هديا إلى الحرم ووقف على باب الكعبة يقول
| إن عدوا لبيت من عاداكا |
|
يا رب لا أرجو لهم سواكا |
| فأمنهم إن يخربوا قواكا ـ10ـ |
|
يا رب فامنع عنهم حماكا |
أخيرا ، لقد تجلت الصور الإيمانية والمعاني الروحية والعرفانية في فريضة الحج مؤتمر المسلمين السنوي الذي تتفتح به القلوب والأبصار فتذكروا فإن الذكرى تنفع المؤمنين
سعدون عبد الكاظم جاسم
الهوامش
ـ1) الآية 97 – آل عمران
ـ2) أحاديث متفق عليها
ـ3) صحيح مسلم : كتاب الحج 97 ، في فضل الحج والعمرة ، صـ 982 ـ
ـ4) اللمع : أبو نصر السراج الطوسي ، ت : د. عبد الحليم محمود
ـ5) المصدر السابق صـ 81 ـ
ـ6) الآية 31 – النور
ـ7) شرح نهج البلاغة : ابن أبي الحديد ، 3 : 616 ـ
ـ8) الآية 37 . إبراهيم
ـ9) تفسير القرطبي : 9 : 35 ـ
ـ10) إسلاميات : عباس محمود العقاد ، 7 : 176 – 178 ـ
|