|
في عالم متغير الأفكار ومتعدد الأقطاب وفي بيئة كبيئة العراق المتنوع الإثنيات والوجهات المذهبية الطائفية ، وفي خضم التحولات التي يمر بها بعد سقوط النظام المستبد السابق تأتي أهمية التعددية وقبول الآخر كصمام أمان لحفظ حقوق الجميع في إطار وطني شامل. إن البشرية ومنذ أن خلقها الله عز وجل أظهرت تباينا في الرؤى والتوجهات كما هي حالها في تكويناتها البيولوجية والسلوكية. وهي سنة من سنن الكون الإلهية في التجدد والتقدم نحو إعمار الأرض التي جعل عليها الإنسان خليفة - ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات - .
ومنهج الاختلاف وقبول الآخر والعمل على أسس من الحوار دون الخلاف والقطيعة هو منهج سماوي قبل أن يجد عنصر الخير لدى الإنسان ضالته فيه. فلقد عبر القران الكريم في آيات مختلفة عن نماذج مختلفة من الحوار بين الخالق والمخلوق حتى مع العاصين لأمره عز وجل. وكذلك الحوار بين المخلوقين أنفسهم
كدعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام لبني قومهم أو الأقوام الآخرين.
والإسلام لم يشذ عن تلك القاعدة في بيان أوجه رائعة منها سواء أكان ذلك بين المسلمين أنفسهم أو مع غيرهم إلى الحد الذي أراد أن يبين عظمة الطرح الإنساني في الآية الكريمة – وإنّا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين - إن التهذيب السلوكي الذي أوجده الإسلام في كيفية التعامل مع الآخر المخالف مثل ثورة قيمية على ما كان يسبقه من تعصب الجاهلية للقبيلة أو العنصر أو الدين فاستطاع بذلك أن يبلغ الآفاق مع تعدد الملل والنحل الداخلة فيه.
وكل ذلك كان بفعل التهذيب الذي علمه الرسول الأكرم محمد – ص- لأصحابه فظهرت نماذج إنسانية رائعة عملت على قبول الاختلاف والرأي الآخر. فهذا الإمام علي عليه السلام يوجه ولاته المعينين على الأقاليم إلى ضرورة التعامل مع الآخرين عبر السماع لهم والعمل من أجلهم فهم في رأيه المستنير – إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق- . وما موقفه من الخوارج والسماح لهم بطرح آرائهم وحرية عبادتهم وإقامتهم ما لم يبلغ ذلك سفك الدم إلا الصورة الوضّائة للإسلام في الوقت الذي كان يعمل آخرون ممن عمل في زمانه والأزمنة التي تلت ذلك من حكام ومتسلطين ومدعي الفكر إلى كم أفواه مخالفيهم ومعاقبتهم بشتى أنواع العذاب لرأي قالوه أو طريق آخر سلكوه. ولعل ما أصاب العراق في العقود الماضية من استبداد واستعباد للإنسان وفكره ورزقه والنهاية التي آلت إليه الفئة المتسلطة برأيها لخير دليل على نهاية كل اتجاه يعمل على زوال أو إلغاء الاتجاهات الأخرى ولو بعد حين إن الظروف الحالية التي يمر بها العراق من تعدد المشارب والأفكار والتيارات تدعو الجميع إلى العمل ضمن إطار قاعدة أساسية تقوم وفق مبدأين مهمين هما:
- قبول الآخر وعدم الإلغاء.
- العمل على الحوار وعدم استخدام العنف.
وهذين المبدأين إذا ما تم العمل من خلالهما ، فإنه لن نجد ما يمكن تسميته بالخلاف والتعصب للرأي المؤدي إلى المزالق والمهالك. ويقينا أن من يقرأ تاريخ الإنسانية حتى في أبشع صوره المتمثلة في الحروب والصراعات يجد أن كل شئ مرده في النهاية إلى الحوار والاتفاق فهل عسانا أن نجنب وطننا ونفوسنا الوقوع في الخلاف المؤدي إلى التباغض والتناحر بدلاً من تعميرها بالخير والإيمان. الإجابة ننتظرها من قادة الفكر و الرأي أولاً ومن العامة من المجتمع ثانياً . والله من وراء القصد
ـ أ. ياسين الموصلي ـ
almously@maktoob.com
|