|
من المعلوم أن هناك داران للإنسان، دار الدنيا وهو دار فناء وزوال ودار الآخرة وهو دار مقر وبقاء، ولو قارنا هنا بين الدارين بالنسبة للوقت نجد أن الدار الدنيا عبارة عن ساعات ودقائق مهما طالت فهي زائلة وبنفس الوقت فإن دار الدنيا بدقائقها المحدودة هي التي تحدد المصير الأبدي للإنسان أي في الدار الآخرة فإما السعادة الدائمة أو الشقاء الدائم
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال في كلام طويل في ذم الدنيا ـ إنما الدنيا ثلاثة أيام يوم مضى بما فيه فليس بعائدٍ ويوم أنت فيه يحق عليك اغتنامه ويوم لا تدري هل أنت من أهله ولعلك راحل فيه ـ 1 ـ
فلنتصور إذاً قيمة كل لحظة من لحظات عمرنا المحدود والتي بها نشتري السعادة الدائمة، ولننظر إلى أنفسنا قليلاً ولنفكر، كيف نمضي ساعاتنا وأيامنا؟ وهل نحن نستغل ساعاتنا استغلالاً أمثل؟ـ
مما لاشك فيه أن في عمر الإنسان الكثير من الأوقات الضائعة وأوقات الفراغ والأوقات المهدورة، ولو حسبنا كل هذه الأوقات نجد أنها تمثل مساحة كبيرة من عمر الإنسان، وبهذا يجب علينا أن نستغل أوقات الفراغ لعمل ما ينفعنا في آخرتنا بدلاً من، وكما يفعل الكثيرون، أن ننشغل بمختلف أنواع اللهو بحجة قتل وقت الفراغ وكأن الوقت عدو لنا يجب قتله متجاهلين أن هذا الوقت هو جزء من عمرنا المحدود، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن من يفعل هذا نسيَ الهدف الذي خلقه الله تعالى من أجله
وما أحلى ما يدعو به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في دعائه الذي علمه لكميل بن زياد وهو من خواص أصحابه ـ يا رب أسألك بحقك وقدسك وأعظم صفاتك وأسمائك أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة ـ وما أجمل أن يعيش الفرد منا بالذكر الدائم لله سبحانه وتعالى وأن يعتاد على أن يشغل نفسه بذكر الله في كل الأوقات وخاصة مثلاً أوقات الانتظار الكثيرة التي تتخلل حياة كل إنسان، أو مثلاً أوقات الذهاب من البيت إلى العمل وبالعكس، بل حتى وهو يمارس كل أعماله اليومية، فمن المعلوم أن القلب إذا انشغل بذكر الله تعالى كان ذلك أكبر ضمانة لعدم الوقوع فيما يُسخِط الله تعالى، وبذلك لا تبقى دقيقة في حياة الإنسان المقبلة من دون استثمار، هذا بالنسبة للذكر باللسان والقلب، لكن هذه الفقرة من دعاء كميل لم تقتصر على هذا المعنى فقط حيث إنها تتعدى إلى كل عمل جيد ومفيد للفرد أو المجتمع وبنيّة خالصة، فمثل هكذا عمل يُعتبر ذكراً لله تعالى، فمثلاً، من يقدّم يد مساعدة لأخيه المسلم بنية خالصة وبدون أي غاية دنيوية يُعتبر وبالتأكيد ذكراً لله، ونشر فكرة سامية ونصيحة مقدمة وتعليم نافع لأي فرد في المجتمع سيما الأقربون وبنية خالصة يكون أيضاً ذكراً لله وغيرها الكثير من الأعمال الصالحة والخالصة لوجه الله تعالى والتي يستطيع أي فرد أن يقدمها في أوقات فراغه
ومن المناسب هنا أن نذكر عدة أعمال يمكن للفرد منّا أن يشغل وقت فراغه بها، منها مثلاً التعلم والقراءة، ومن الضروري هنا أن يركز الفرد على موضوع معين ومفيد يصب اهتمامه عليه كأن يتعلم أحكام دينه، فالكثير من الناس يجهل أبسط أمور دينه، أو يتعلم القرآن ويعلمه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ـ 2 ـ
كما يمكن لأي فرد منا أن يشغل نفسه بطلب العلم، وقد حث الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم على طلب العلم وجعله فريضة على كل مسلم، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم ـ طلب العلم فريضة على كل مسلم ألا إن الله يحب بغاة العلم ـ 3 ـ وأكّد الأئمة عليهم الصلاة والسلام من بعده على طلب العلم ولو بالتعب والمشقة، قال الإمام جعفر بن محمد عليه الصلاة والسلام ـ لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج ـ 4 ـ أما اليوم فقد أصبح طلب العلم من السهولة بحيث يتاح لأي فرد أن يتعلم ويطوّر نفسه ويحصل على قدر كبير من الثقافة وهو في مكانه، وذلك نظراً للتطور الكبير الحاصل اليوم في تكنولوجيا المعلومات وتطور الإنترنت (بما فيه من كتب و مجلات ومراكز تعليمية) وانتشاره وسهولة التعامل معه، ولهذا أصبح بإمكان أي شخص أن يشغل وقت فراغه بطلب العلم عن طريق الإنترنت، حيث أن من أهم ميزات التعليم عن طريق الإنترنت هي المرونة الكبيرة في جدولة وتنظيم أوقات الدراسة بما يتلاءم مع وقت الطالب ومكانه. بالإضافة إلى أن التعليم عن بُعد يتطلب الاعتماد على الذات في التعلم والقراءة والتحلي بالإنظباط الذاتي بحيث يحسن استغلال الوقت ويجيد العمل باستقلالية
ومن الضروري جداً لمن يتعلم أن يقرن علمه بالعمل لينفع بذلك نفسه ومجتمعه، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال ـ العلم مقرون إلى العمل فمن علم عمل ومن عمل علم والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ـ 5 ـ
وكما أن للإنترنت هذه المزايا الإيجابية كلها، فله من السلبيات الكثير أيضاً، وللأسف فالكثير من الأشخاص اليوم يسئ استغلال وقت الفراغ وعن طريق الإنترنت أيضاً، فلتكن هذه دعوة لكل إنسان أنعم الله عليه بالعقل وإمكانية التفكير والإرادة، إلى أن يستغل وقت فراغه بما ينفع نفسه ومجتمعه به ولنحرص على أن يكون كل يوم يمر علينا أنفع وأفضل من سابقه فمن تساوى يوماه فهو مغبون
وخير ما نختتم به الكلام هو قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ـ الدنيا ساعة فاجعلها طاعة وباب ذلك كله ملازمة الخلوة بمداومة الفكرة وسبب الخلوة القناعة وترك الفضول من المعاش وسبب الفكرة الفراغ وعماد الفراغ الزهد وتمام الزهد التقوى وباب التقوى الخشية ودليل الخشية التعظيم لله والتمسك بتخليص طاعته وأوامره والخوف والحذر والوقوف عن محارمه ودليلها العلم قال الله عز وجل إنما يخشى الله من عباده العلماء ـ 6 ـ
المصادر
ـــــــــــــــــــ
ـ 1 ـ مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج12، ص149 ـ
ـ 2 ـ مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج4، ص235 ـ
ـ 3 ـ تحرير الأحكام، العلامة الحلي، ج1، ص35 ـ
ـ 4 ـ المعتبر، المحقق الحلي، ج1، ص18 ـ
ـ 5 ـ إرشاد الأذهان، العلامة الحلي، ج1، ص16 ـ
ـ 6 ـ بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج67، ص69 ـ
أمَةِ الزهراء
3-12-2003
|