|
قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم (( انما المؤمنون اخوة) ) صدق الله العلي العظيم
ننطلق من هذه الآية الكريمة في تبيان أواصر المتحابين في الله والتي هي بطبيعة الحال أواصر قوية وشديدة جدا لارتباطها بأيمانها فالآية تقول (( إنما المؤمنون) ) ومن هنا كلما قوي هذا الإيمان كلما قوت محبتهما لبعضهما البعض ، ولا يتخيلن أحد إن مؤمنين حقيقيين يمكن أن يكرها بعضهما البعض أو يعاديا بعضهما البعض ، فلا بد أن أحدهما على الأقل ليس مؤمنا حقيقيا. من هنا يمكن لنا أن نفهم سر العلاقة بينهما تلك العلاقة التي استوجبت أن يبين الأئمة (عليهم السلام) بعض جوانبها لكثرة ما للمؤمن على أخيه من حقوق تلك الحقوق التي قد لا يتخيلها البعض أو قد يرى فيها الكثير منا شيء من المبالغة ، فقد أوجب الإسلام للمؤمن على أخيه حقوقا كثيرة ليس اقلها احترامه, ومقابلته بالمحبة والمودة, وزيارته, وستر غيبته, ورد غيبته, وقضاء دينة, والسعي في حوائجه, ومد يد العون له في ما يحتاجه إلية من مال وغيرة
ولم تأتى تأكيدات على رعاية اي حق في علاقات الانسان خارج اسرتة كما جاءت على رعاية حق المؤمنين حتى جعلت المؤمن احيانا كثيرا اقرب إلى المرء من ارحامة بل من امة وابية، فقد روي عن امير المؤمنين (ع) انة قال: ـ الاخ المكتسب في الله اقرب الاقرباء وارحم من الامهات والاباء ـ
وللتدليل على أهمية حقوق المؤمنين على بعضهم البعض وضرورة مراعاة هذه الحقوق كان الأئمة(ع) عندما يسائلهم بعض المؤمنين عن حقوق المؤمن على أخيه يحجبون عن إجابتهم خوفا على السائل خشية أن يعرف حق المؤمن علية ثم يقصر فلا يكون بالمستوى الذي يريده الإسلام منة ، ففي ـ(الكافي)ـ إن المعلي ابن خميس قال للإمام الصادق (ع) :( ما حق المسام على المسلم ؟ فقال (ع): له سبع حقوق واجبات ما منهن حق إلا هو عليه واجب أن ضيع منها حقا خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب ، قال المعلى: جعلت فداك و ما هي ؟ قال الإمام(ع) : ( يا معلي إني عليك شفيق أخاف أن تضيع ولا تحفظ وتعلم ولا تعمل) ، فقال المعلي : لا حول ولا قوة إلا بالله... قال الإمام (ع) ( ايسر حق منها أن تحب له ما تحب لنفسك وان تكره له ما تكره له لنفسك، والحق الثاني، أن تتجنب سخطه، و تتبع مرضاته، وتطيع أمره ، والحق الثالث: أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورحلك والحق الرابع: أن تكون عينة ودليله ومرآته والحق الخامس: أن لا تشبع ويجوع ولا تروى ويضمأ ولا تلبس ويعرى غيرك والحق السادس: أن يكون لك خادمك وليس لأخيك خادم فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثوبه ويصنع طعامه ويمهد فراشه، والحق السابع: أن تبر قسمه وتجيب دعوته وتعود مريضه وتشهد جنازته و إذا علمت له حاجه تبادر إلى قضائها ولا تلجئه إلى أن يسألكها ولكن تبادره مبادرة ، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك) ونحن هنا نحاول أن نستعرض بعض هذه الحقوق على أمل أن نستفيد منها درسا في حياتنا نتمكن في تطبيقه في هذه الحياة ..... عسى أن تقوى علاقة المؤمنين ببعضهم البعض إلى الدرجة التي يريدها الإسلام والتي ترضي النبي (ص) و الأئمة(عليهم السلام) فمن حق المؤمن على المؤمن أن يدعه بأحب الأسماء إليه في غيبته و حضوره فقد ورد عن بعض الحكماء (ثلاثة يصفين لك ود أخيك : أن تسلم له إذا لقيته أولا، وتوسع له المجلس وتدعوه بأحب أسمائه إليه) فمن البديهي هنا ضرورة تجنب الأسماء التي لا يحبها ومن ذلك الألقاب القبيحة التي يستخدمها كثيرا من الناس في أيامنا هذه بل ذلك حرام ـ
ويلحق بذلك الثناء الواعي الحق الحكيم على أولاده أهله وصنعته بل على عقلة وخلقة وهيئته وجميع ما يفرح به، بل كل ذلك من غير كذب ولا مبالغة وآلا كان ذلك بصورة الحرام، وافضل من كل هذا أن تبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح به، فأن إخفاء ذلك عنه عن عمد لون من ألوان الحسد ، ومن حق المؤمن أيضا أن تشكره على صنيعه في حقك عندما يسدي إليك خدمه أو يقوم بشيء من واجباته اتجاهك، بل عليك أن تشكره على نيته عندما ينوي خدمتك في أمر ما ثم لا يتمكن من إتمامه لأي سبب كان، قال أمير المؤمنين(ع): (من لم يحمل أخاه على حسن النية لم يحمد على حسن الصنيعة) ، واعظم حق له عليك أن تدافع عنة في غيبته إذا تعرض ل أحد بسوء أو تعرض لعرضه بقبيح سواء كان ذلك بكلام صريح أو بمجرد إشارة أ و تلمح، ولعلة إلى هذا المعني يشير إلى قول الرسول(ص): ( مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى) صدق رسول الله (ص) ، ومن ذلك النصيحة المخلصة بين المؤمنين وإرشاده إلى عيوبه بطريقة لبقة ومحترمة دون إهانة أو تجريح فقد ورد عن النبي (ص)انه قال : ( المؤمن مرآة المؤمن ) ولا ريب أن المرآة تظهر المحاسن كما تظهر المساوئ .... وعليك أخي المؤمن أن تتجنب ما استطعت إظهار عيوب أخيك المؤمن أمام الآخرين مهما كانوا مقربين منه، فان ذلك يوغل صدره عليك ويفسد المودة بينكما ، قيل لأحدهم أتحب من يخبرك بعيوبك ؟ فقال ( أن نصحني فيما بينه وبيني فنعم وان قرعني بين الملأ فلا)، و صحبة الأخوان المؤمنين توضح صفات كل منهم ومن هذه الصفات ما ذكره ابن حزم (1)في مساعدة بعضهم البعض حيث قال: ( ومن الأسباب المتمناة في حب المؤمن لأخيه المؤمن أن يهب الله عز وجل للإنسان صديقا مخلصا لطيف القول بسيط الطول حسن المأخذ دقيق المنفذ متمكن البيان مرهف السان جليل الحلم واسع العلم قليل المخالفة عظيم المساعفة شديد الاحتمال صابرا على الادلال جم الموافقة جميل المخالفة مستوي المطابعة محمود الخلائق مكفوف البوائق محتوم المساعدة كارها للمباعدة نبيل المداخل مصروف الغوائل غامض المعاني طيب الأخلاق سري الأعراق مكتوم السر كثير البر صحيح الأمانة مأمون الخيانة كريم النفس ـ ـ ـ ـ ـ
ويكمل ابن حزم قوله ـ( فان ضفرت بة يداك فشدهما علية شد الضنين ، وامسك بها امساك البخيل وصنه بتارفيك وتالديك ....)ـ
واحب هنا ايراد بعض الابيات للاستاذ حسن مرة التي قالها عند رحيل الشيخ جواد مغنية من النجف الى لبنان وكان صديقه واخوه في الايمان(2):ـ
وافقت من سكري على آلامي ورأيت قلبي باكي الأنغام كظلام نفسا جمة الآثام ذاك البها في أمسنا البسام كانت تريك بشاشة الأحلام ثغري تفيض بخمرة الإلهام ها قد نفضت يدي من الأحلام إني رأيت مدامعي في ثورة ورأيت نفسي أظلمت آفاقها لا عقد ذاك النظم ولا انمحى إيه (جواد) أخذت مني بسمة أخذت نغمتي التي كانت
علي
نلاحظ هنا كيف وصف لنا الشاعر صديقة الشيخ جواد مغنية في انة كان سكن راحة لصديقة ومصدر بسمه وفرح دائم وهذة هي صفات الاخ المؤمن الحقيقي باروع صورها الخلابة
ومن تلك الحقوق أيضا القيام بخدمته ما أمكن خصوصا وقت الحاجة لضرورة وحين مرضه وعند مصاحبته في السفر فان القيام بخدمة المؤمن في السفر يعد من افضل العبادات وقد حرص رسول الله (ص) على ذلك في اكثر من مورد ، بينما كان الإمام زين العابدين (ع) يسافر إلى الحج متنكر لكي يخدم ومن الطف ما ورد في هذا الباب ما رواه الفيض الكاشاني في كتابه (المحجة البيضاء) من إن شخصا صاحب أحد العارفين في رحله إلى البادية فقال له المرزوى: على أن تكون لي . فقال له الرجل : وعليك الطاعة ؟ فقال نعم , فاخذ الخروج ووضع فيها الحاجات وكل ما يحتاجانه في سفرهما ووضع الأحمال على ظهره ومشى فقال له الرجل : اعطني احملها عنك فقال له: آمرك بالطاعة ..... فمشى فترة فآخذت السماء تمطر فرفع المروزي ثوبا فوق صاحبه يرد به المطر عنه .... فأراد أن يمنعه من ذلك . فنهره المروزي وقال له : اقل لك لي الأمر وعليك بالطاعة؟ هذا غيض من فيض في حقوق المؤمنين على اخوتهم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مصادر الموضوع
1- طوق الحمامة / ابي محمد علي ابن احمد بن سعيد بن حزم الاندلسي / تح ابي المنذر سعيد كريم الفقي / مطبعة ابن خلدون , الاسكندرية ص 61
2- تجارب الشيخ محمد جواد مغنيه(رح) / بخط قلمه / جمع ولده عبد الحسين مغنيه ص 61
أمين المهنا الحسيني
6 - 11 - 2003
|