إرادة المسلم بين التوكّل والسببيّة


يرتبط التوكل في المفهوم الإسلامي ،بالاعتماد على الله ،وإحالة الأمر أليه ، والثقة به ،وعدم الإيمان بأي مؤثر حقيقي في الوجود غيره.كما جاء في قوله تعالى " وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون َ" (هود:123) . وبذلك فان عقيدة المسلم قامت على أساس أن الله تعالى هو الذي يريد الأسباب والعلل . فلا يخفى عليه شيئا". إذا أحاط علمه بكل شيء.فالتوكل أمرا" اعتقاد يا" لكل مسلم مؤمن .فلا يمكن للمسلم أن ينيط نتائج أعماله بما يمتلك من قدرات ، وإمكانات بمعزل عن الصلة بالقادر العالم تبارك وتعالى ، كما لا يمكن له أن يترك السعي والعمل والجد، ويعطل طاقته التي منحها الله إياه معتدا" في ذلك على الخوارق والصدف .ولهذا نجد أن النهج الإسلامي الصحيح يحث وينصح بممارسة كافة ألوان العمل والمثابرة على التحصيل والإنتاج والاعمار .على آن يبقى ذلك رهن الصلة ، والإيمان اليقيني بالله على أساس ( ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن).
قد يتوهم البعض خطأ ممن يحيلون معنى التوكل على إنه ضرب من ضروب الكسل والخمول والتنصل من تحمل المسؤولية ، متجاهلين لحقيقة هذه العقيدة الإيمانية الصادقة التي أسئ فهمها ، رغم إنها تمثل الحس المعنوي للانطلاق الجاد نحو العمل المتواصل ، والسعي الحثيث في ظل طمأنينة النفس ، وثبات العزيمة ، والشعور بالمسؤولية الملتزمة . كما إنها نتيجة اعتقاديه سامية لمسَلّمات الإيمان اليقيني الراسخة في النفس ، لأنها تعبر عن إدراك المؤمن لعقيدة التوحيد وعلاقته بالله سبحانه وتعالى . وإذا ما أريد لهذه العقيدة آن تحتل موقعها في النفس المؤمنة ، فمن الضروري آن تكون ذا تأثير فاعل في سلوك وتفكير الإنسان المؤمن ، وفي فهمه للكون والوجود ، وإدراكه بالتغلب على كل العقبات والصعوبات التي تعترض طريقه في الحياة .بحيث يشعر بأنه أكثر ثقة من غيره في مواجهة الأسباب والعلل الطبيعية والاجتماعية التي يتعامل معها . باعتبار أن تلك العلل ليست هي القوة المسيطرة في هذا الوجود ، بل أن هناك قوة خفية كبيرة يديرها ويسيرها ويقف وراءها الخالق سبحانه وتعالى .الأمر الذي يجعل المؤمن مدركا" بضرورة الاحتفاظ بقوة عزيمته ، ومصرا" على تنفيذ إرادته دون الشعور بالتردد أو الخشية من الفشل عند الإقدام على عملٍ ما.

فالتوكل إذن اعتمادا" مطلقا" على الله سبحانه وتعالى ، واعتقاد راسخ بأنه المؤثر والفاعل والمقدر للأمور .وأن ما نراه من الأسباب والعلل في الحياة اليومية ،ما هي إلا شروطا" جعلها الله تنفيذا" لإرادته ومشيئته ،وأساسا" على المحال في الوجود،هي القوة التي تتحكم في الحياة الإنسانية ." إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون َ" (آل عمران:160) . لذا يأتي التوكل كنتيجة للإيمان اليقيني في نفس المؤمن ،ذلك أن المؤمن لا ينظر إلى الأمور الدنيوية ذا قيمة وقدرة تستطيع الاستقلال عن الله ، انطلاقا" من إيمانه بأن الله ،عالم ،قادر ،حكيم ،عادل " وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً" (الطلاق:3) .وعلى هذا فالعمل الإنساني للمؤمن يكون مرهون بمرضاة الله وباليقين القائم على أساس إن كل ما يملكه الإنسان من قوة ووسائل وإمكانات لا يمكن الاعتماد عليها ، دون الاعتماد على الله سبحانه وتعالى ، وهنا يرتبط معنى التوكل بالسببية الذي لا يبطل بالأسباب ، مع إن الله تعالى قادر على منح المطلوب بدون ذلك ، ولكن مشيئته أرادت ربط الأسباب بالمسببات ، وإنكار جريان الأمور بدون أسبابها . وإلا بماذا يفسر قول الأعرابي "توكلت على الله" حينما أهمل بعيره دون رباط ، فرد عليه الرسول الأكرم (ص) بالقول "أعقلها وتوكل " ، فكأنما الأعرابي كان يريد ترك الأسباب والوسائل الضرورية لحفظ ناقته من الضياع بالتوكل على الله ، غير مدرك" للعلاقة بين السبب والتوكل . وهو أن ربط الناقة سبب طبيعي لتقييد حركتها ، ومنعها من الضياع كما أوجب القرآن الكريم على المسلمين الحذر من الأعداء كوسيلة سببية لتجنب المباغتة والغدر . كما في قوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً " (النساء:71) .فالقرآن لم يقل لهم دعوا كل الاحتياطات وتوكلوا على الله ، بل أمَرَهُم بتهيئة الأسباب والوسائل الممكنة تحت ستار عقيدة التوكل . وجاء في الحديث عن الإمام الصادق (ع) قوله " أوجب الله لعبادة أن يطلبوا منه مقاصدهم بالأسباب التي سبّبها لذلك ، وأمرهم بذلك " . وهنا ربط الإمام (ع) نيل المقصد من خلال السبب بالوجوب والأمر الإلهي . وهذا يعني إنّ السبب أصبح شرط أساسي لنيل المطلب ، وبالتالي يصبح العمل الوسيلة المشروطة للوصول إلى النتيجة في كل أفعال الإنسان ومساعيه الخيّرة 


سلام فاضل المسعودي
30-7-2003 
salamalmasouday@yahoo.com

أحاديث الأسابيع الماضية

جمعية أخوان البر لرعاية الأنسان والبيئة