الصدقات . . . أفضل العبادات
أثرها في نفس الفرد وبناء المجتمع

قال الله تعالى في كتابه الكريم:{إنَّ المُصَّدِقِينَ والمُصَّدِقات وأقرَضُوا اللهَ قرضاً حسناً يُضاعَفُ لهم ولهـم أجرٌ كريمٌ} الحديد 18، حث القرآن الكريم وفي كثير من الآيات على موضوع الصدقات وذلك لما لها من الأثر الكبير في بناء المجتمع والرقـي بالفرد إلى مرضاة الله تعالى وكذلك نجد إن موضوع الصدقات أخذ جزءاً كبيراً من اهتمام الرسـول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم أفـضل الصلاة والسلام ونجد هذا واضحاً من خلال أحاديثهم وحثهم الدائم لأصحابهم على الإنفاق في سبيل الله والتصدق بما تيسر، وقد كان في وصية النبي الأكرم (ص) لحبيبه أمـير المؤمنين (ع) ـ وأما الصدقة فجُهدَكَ جُهدَك حتى يُقال قد أسرفتَ ولم تُسرِف ـ وللحكماء أيضاً كلام في الصدقات فقد قالوا أن أفضل العبادات الصدقة لأن نفعها يتعدى ونفع الصلاة والصوم لا يتعدى
فللصدقة تأثيرات كبيرة وفي عدة اتجاهات، فهي تـؤثر في نفس المتصدق أولاً وتحفزه على الإنفاق والبذل في سبيل الله تعالى وتلعب دوراً فـعالاً في تطهير المؤمن وتخليصه من حبه للأموال وحرصه عليها وتزرع فيه حب مساعدة الآخرين والمشاركة في تحسين أوضـاع الناس والمجتمع، وقد أشارَ القرآن الكريم في سورة التوبة الآية 103 عن هذا الموضوع وذلك في قوله تعالى:{خُذ من أموالِهِم صَدَقَةً تُطَهِرُهُم وتُزَكيهم بها وصلِّ عليهم إنَّ صَلاتَكَ سكنٌ لهم والله سميعٌ عليمٌ}، حيث نجد في هذه الآية أمراً صريحاً للرسـول الكريم (ص) بأن يأخذ الصـدقات من أموالهم فهي تطـهرهم وتزكيهم، كما نلمس من الآية التي بعدها مباشرةً أن في التصدق نوعاً من التوبـة فقد قـال تعالى:{ألم يَعلَموا أنَّ الله هوَ يَقبَلُ التوبَةَ عن عِبادِهِ ويأخُذُ الصَدَقات وإنَّ الله هوَ التوابُ الرحيمُ}، وقد ورد أيضاً أن الصدقة تدفع البلاء والمرض وتقي من ميتة السوء كما جاء في حديث للرسول الأعـظم (ص) قال فيه ـ بَكِّروا بالصَدَقة فإنَّ البلاءَ لا يَتَخَطاهاـ وعن الإمام الصادق (ع) قال ـ داووا مرضاكُم بالصدقة ـ وقال رسول الله (ص) في حديث آخر ـ الصدقة تدفعُ ميتةَ السوءـ وكذلك فإن الصدقات تُثقل الموازين وتفسح الآجال فقد قال رسول الله (ص) ـ ثقلوا موازينكم بالصدقة ـ وقال أيضاً ـ بالصدقة تفسح الآجال ـ
أما بالنسبة للمجتمع وتأثير الصدقات فيه فينعكس في عدة اتجاهات منها مثلاً أن الصدقات تساهم في إنقاذ العديد من أفراد المجتمع من الانحراف والضلال أو قد يكون إنقاذ من الجهل أو قد يتعدى الأمر إلى أكثر من ذلك، فقد يكون للصدقات أثراً في إنقاذ حياة الفرد كإنقاذه من مرض أو ما شابه، وكذلك لا يفوتنا أن نذكر أهمية الصدقات في رد لـهفة المؤمن الفقير وإدخال الفرحة إلى قلبه، قال أبو عبد الله (ع) ـ أفضلُ الصدقةِ إبرادُ كبدٍ حرَّى ـ 
أما الأموال وتأثير الصدقات عليها فقد نص الـقرآن الكريم وفي أكثر من موضع على أثر الصدقة في مضاعفة الأموال وجعل البركة في المال الذي يعرف الصدقة فمثلاً قوله تعالى في سورة التغابن الآية 17، {إن تُقرِضُوا الله قرضاً حَسَناً يُضاعِفهُ لَكُم والله شكورٌ حليمٌ} حيث أن معنى تُقرضوا الله الإنفاق في سبيله وسماه الله إقراضاً وسمى المال المنفق قرضـاً حسناً حـثاً وتـرغيباً لهم فيه، وكذلك قال تعالى في الآية 276 من سورة البقرة{يَمحَقُ الله الـرِبا ويُربي الصَدَقات والله لا يُحِبُ كُلَّ كَفَّارٍ أثيم} والإرباء يعني الإنماء، وأيضاً في حديث للإمام علي (ع) قال فيه ـ إستَنزِلوا الرِزقَ بالصدقة ـ وفي حديث آخر وعن أبي عبد الله (ع) قال ـ إنَّ الصدقـةَ تَـقضي الدَين وتَخلُفُ بالبركة ـ وغيرها الكثير من الآيـات الكريمة والأحـاديث الشريفـة 
وإنفاق الصدقة قد يكون على نوعين إنفاقها سراً وعلانيةً، وقد مـدح الله في كتابه الكريم كِلا النوعين وذلك في قوله تعالى في الآية 271 من سورة البقرة {إن تُبدُوا الصدقـات فَنِعِمّا هيَ وإن تُخفُوها وتُؤتُها الفقراءَ فهوَ خيرٌ لكم ويُكَفِّرُ عنكم من سيئاتَكُم والله بما تعمـلونَ خبيرٌ} فإظهار الصدقة فيه دعوة عملية إلى عمل المعروف وتحفيز المؤمنـين على بـذل أموالهم وإنفاقها ابتغاء مرضاة الله تعالى وإرادة وجهه الكريم، أما إخفاء الصدقات فيبعد المتصدق عن ما يُـفسد ثواب صدقته كالـرياء والمن والأذى وأيضاً فيه حفظ لنـفس المحتاج من المذلة، وكذلك نجد أن الآيات التي تلت هذه الآية تؤكد على أن الإنفاق في سبيل الله يعود بالفائدة على نفس المتصدق وقد جعل تعالى في الآية 274 السر والعلانية في الإنفاق متقابلان فقد قـال تعالى في هذه الآية: {الـذينَ يُنفِقونَ أموالَهُم باليلِ والنهار سراً وعلانيةً فَلَهُم أجرُهُم عندَ رَبِهِم ولا خوفٌ عليهِم ولا هُم يَحزَنون}وقد ورد أن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، حيث كانت معه أربعة دراهم فتصدق بواحد ليلاً وبواحد نهاراً وبواحد سراً وبواحد علانيـةً
ومن الضروري جداً هنا أن نلاحظ أمراً مهماً وهو أن لا نُبطل صدقاتنا ونحرم أنفسنا من الفائدة الدنيوية والأخروية للمتصدق، وقد اهـتم القرآن الكريم بهذا الجانب وحذر المؤمنين من إبطال صدقاتهم فقد قال تعالى: {قَولٌ مَعرُوفٌ ومَغفِرَةٌ خَيرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتبَعُها أذىً والله غنيٌ حليمٌ * يا أيُها الذينَ آمَنوا لا تُبطِلُوا صَدَقاتِكُم بالمَنِّ والأذى ... } الآية 263-264 من سورة البقرة، فيجب على المتصدق أن يجعل نيّـة عمله خالصة لوجه الله تعالى وابتغاء مرضاته لأن ثواب العمل يترتب على درجات النية وخلوصها لله تعالى، وقد تحدث القرآن الكريم أيضاً عن نوعية مال الإنفاق فقد أكد على أن يكون من أحسنه فقد قال تعالى في الآية 267 من سورة البقرة {يا أيها الذينَ آمَـنوا أنفِقُوا مِن طَيّباتِ ما كَسَبتُم وممّا أخرَجنا لَكُم منَ الأرضِ ولا تَيَمَّموا الخَبيثَ مِنهُ تُنـفِقون وَلَستُم بِآخِذِيهِ إلا أن تُغمِضُوا فيهِ واعلَموا أنَّ الله غَنيٌ حَـميدٌ} ونلاحظ في هذه الآية تـأكيداً على غنى الله تعالى وقد يكون في هذا توجيه لنا كي نراقب في إنفاقنا غنى الله فهو في عينِ غناه يحمد إنفاقكم الحسن، أو قد يكون توجيهاً لنا أيضاً بأن الله هو الغني الحميد فلا ينبغي أن تواجهوه بما لا يليق بجلاله تعالى. ولا يشتبه الأمر علينا هنـا، فالتأكيد على الإنفاق الحسن لا يتعلق بكمية المال المنفق فنجد بعضاً من المؤمنين مثلاً من يتحرج من إعطاء القليل، لكن أمـير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وضح لنا هذا الأمر بقوله: ـ لا تَـستَحوا مِن إعطاءِ القليل فإن الحِرمانَ أقلُ مِنه ـ ونكرر أن المهم في الصدقة هو النيـة الخالصـة
ومن الجـدير بالذكر هنا أن الزكـاة هي أيضاً صدقة وهي من الصدقات الواجبة وقد أكـد القرآن الكريم على ضرورة إنفاق الزكاة في أكثر من موضع
ونشير هنا أيضاً أنه ليس من الضروري أن تكون الصدقة مالاً فقد قـال رسول الله (ص) ـ كلُ معروفٍ صدقـة ـ وقد يكون الإصلاح بين الناس مثلاً صـدقة كما قـال أبو عبد الله (ع) ـصدقةٌ يُحِبُها الله إصلاحُ بينِ الناسِ إذا تفاسَدوا وتَقارُبُ بَينِهِم إذا تباعدوا ـ وكذلك قد يُعتبر العـفو عن الجاني مثلاً صدقـة كما جاء في قوله تعالى في سورة المائدة الآية 45 {وَكَـتَبنا عَلَيهِم فِيها أنَّ النَفسَ بالنفسِ والعينَ بالعينِ والأنفَ بالأنفِ والأذُنَ بالأذُنِ والسِنَّ بالسِنِ والجُرُوحَ قِصاصٌ فَـمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَن لَم يَحكُم بِما أنزَلَ الله فأولئكَ هُمُ الظـالمون}، وقد يكون إقراض المؤمن مالاً بمثابة صدقة إلى أن يُرد إليه ماله كما جاء ذلك في حديث لأبي عبد الله (ع) قـال فيه ـ ما مِن مؤمنٍ أقـرَضَ مؤمناً يَلتَمسُ بِهِ وَجهَ اللهِ إلا حَسَبَ الله لهُ أجرَهُ بحسابِ الصدقـة حتى يَرجِعَ إليهِ مالُهُ ـ وأما إذا وضع المؤمن دَينه عن أخيه المـؤمن المُعسر فتلك هي صدقة دائمة كما قال تعالى في سورة البقرة الآية 280 {وإن كانَ ذُو عُسرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيسَرَةٍ وأن تَصَـدَقوا خَـيرٌ لكُم إن كُنتُم تَعلَـمـونَ}ـ
وخيرُ ما نختتم به كلامنا قول للرسـول الأعـظم (ص) ـ الكَلِمَةُ الطَيبةُ صَـدَقَة ـ فبادر أخـي المؤمن إلى التصدق ولو بالكلمة الطيبة لأخيـك المؤمن فلها إن شـاء الله تعالى ما للمتصدق بماله من الأجرِ والثواب الدنيوي والأخروي


أمَةِ الزهراء
24-7-2003 

أحاديث الأسابيع الماضية

جمعية أخوان البر لرعاية الأنسان والبيئة