صراط مستقيم . . . و سبلٌ شتّى

لقد منّ الله تعالى على المسلمين (أمة المصطفى المختار صلى الله تعالى عليه وعلى أل بيته الأطهار) بأن حباهم بدستور إلهي، رباني، شامل ، محفوظ من كل تحريف أو ضياع أو عبث، فيه تفصيل و علم كل شيء مما يحتاجه الإنسان في كل مراحل وجوده، ابتداءً من عالم الذر و مرورا بعالم الأجنة و الحياة الدنيا و من ثم عالم البرزخ وانتهاءً بالدار الآخرة و هو القران الكريم، معجزة محمد (صلى الله تعالى عليه واله و سلم) الخالدة.
و الإنسان، هذا المخلوق المركب من مزيج من العقل والهوى، مع ما مَلَكَتي الإرادة و الاختيار لا بد وان نتوقع منه أن يقف مواقف متباينة من هذا الدستور، فبين ملتزم به و آخر منحرف عنه و بين هذا و ذاك مواقف بينية شتّى. و على هذا الأساس يمكننا أن نتصور المشهد الحالي لحياة المسلمين و مواقفهم من كتاب الله تعالى و أسلوبهم بالتعامل مع ما جاء به و ما جاء على لسان رسول الله (صلى الله تعالى عليه وأله وسلم).
يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز(( و جاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون* إن هؤلاء متبّر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون* قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضّلكم على العالمين)) الأعراف أية 138-139-140.
من خلال نظرة سريعة لهذه الآيات القرآنية الكريمة نلاحظ أن جانبا مما أشارت إليه يمكن أن نراه اليوم في حياتنا و هي ظاهرة انتشرت و أصبحت حالة معروفة لدى أبناء الأمة الإسلامية و هذه الظاهرة يمكن اعتبارها من إحدى مصاديق هذا النص القرآني. لقد بدأت ثورة الاتصالات الحديثة منذ ما يقارب العقد ونصف العقد و مع هذه الثورة بدأ العالم ينفتح على بعضه البعض و تتطلع كل أمة على الأخرى و كل دين و مذهب على الآخر و بدأت حالة معقدة من التزاوج بين الأنماط السلوكية والمعرفية والموروث الثقافي و الاجتماعي بل أكثر من هذا ، حيث بدأ الترابط و التمازج يجتاز آخر الأسوار الشخصية الحصينة للإنسان و هما اللغة والدين. فبينما بدأت حالة فريدة من التداخل اللغوي بين الأمم و دخول كثير من المفردات القادمة من لغة إلى أخرى و ظهور مفردات اصبح لها الصفة العالمية و صارت تحت تداول كل الناس... بدأت الظاهرة الأكثر خطورة بالنسبة لنا نحن المسلمين وهي ظاهرة الانفتاح الديني بمعنى إطلاع المسلمين على الديانات الأخرى و إطلاع أهل الديانات الأخرى على الدين الإسلامي و التمازج الفكري والسلوكي بين جميع الأمم. و هنا لا بد من الإشارة والتشديد بكل وضوح و جلاء . . . و بيان ما نعني به من خطورة التأثيرات المصاحبة لظاهرة الانفتاح على المسلمين، فمن ناحية المبدأ نحن نؤمن أن ما يمر بالأمة الإسلامية خاصة و جميع الأمم بشكل عام، هو جزء من سلسلة الامتحان الإلهي للإنسان ليميّز بين الخبيث والطيّب، كما ونؤمن أن الله تعالى قد جهّز المسلم بكل ما يحتاجه خلال هذه الحياة من أسلحة معنوية و مادية تقيه وتحصنه من موجات الزيغ و الانحراف و تحفظ له السير و التوجه نحو الله تعالى بصراط مستقيم واضح و بيّن، و على هذا الأساس نرى أن الأمة مجهزة تجهيزا كاملا لخوض هذه المرحلة من الحياة دون أن يمس دينها و منهجها القويم أي انحراف ... أذن فما معنى (الخطورة على الأمة) هنا ؟. . . الخطورة بالتأكيد تكمن عندما لا تقرر الأمة استخدام ما جهزها به الله تعالى من تجهيزات تحصنها من الانحراف و من دخول البدائل المزيفة على حياتها. و بناء على كل ذلك تبدأ حركة الصراع بين كل ما هو من أصل الدين و بين ما هو دخيل عليه، و بين كل ما يقرّب من الله تعالى و يحظى بمرضاته و بين ما يبعد عن الخالق الجليل و يوقعنا في دائرة سخطه. 
و بالعودة إلى الآيات الكريمة من سورة الأعراف، و في نظرة فاحصة لإحدى ظواهر الحياة اليومية التي تمتحن بها الأمة وهي ظاهرة الإعلام و الفضائيات، و الأنماط المتنوعة من البرامج التي تقدمها لنا مضافا إلى القيم والسلوكيات الجديدة التي يتم ترويجها و ما يرافق ذلك من استحداث جملة من الأوليات في حياة الفرد مشفوعا بتراجع لمجموعة أخرى من المبادئ والأوليات التي كانت في الأمس القريب تحتل موضع الصدارة لدى وعي الأمة و ضميرها. و من خلال استجلاء الأسلوب الذي تعاطت به الأمة مع هذه الظاهرة فسنلاحظ أنه بدلا من أن تستغل الأمة كل ما حباها الله من مواهب و أن تستجمع كل قواها الفكرية والثقافية و تراثها الحضاري الإنساني الأصيل نجدها اليوم عندما تمر و تنفتح على الآخرين تكون في حالة من يطلب منهجا(إلها) كما للآخرين منهج(آلهة)، و تنجرف إلى ممارسات(عبادات من نوع جديد) كما يعبد الآخرون، فبمجرد أن يظهر لنا برنامج مسابقات من محطة غربية، تم تصميمه بالكامل بما يتلاءم مع مفردات و قيم الحضارة الغربية نجد المحطات الإسلامية و التي من المفترض أن تكون منضبطة بضوابط الإسلام، نجدها تسارع لإنتاج نفس البرنامج و بنفس المقاييس و المعايير لترويجها في مجتمعاتنا و على مرأى و مسمع من كل علماء الأمة ونخبها، و الأخطر من ذلك نشاهد أن البعض يحاول أن يضفي صبغة محلية أو (إسلامية) لهذه البرامج محاولة منه أن يتجاوز هذه الإشكالية الأخلاقية و كأن برامج المسابقات هذه هي النمط الصحيح للحياة و بغيرها لا يمكن أن تستمر. لتضع الأمة في النهاية أمام أسئلة كبيرة: هل هذا هو النمط الصحيح والوحيد للسلوك في الحياة؟، هل يوجد بديل لهذا النمط من السلوك والممارسات، أم لا؟. 
و الجواب على كل هذه التساؤلات تضمنته الآيات الكريمة و التي كانت ترد بشكل واضح على إشكالية تتكون من جزء ين يقع فيهما الإنسان وهما: التقييم النمطي للظواهر من خلال ما يحمله من موروث فكري و أسلوب نمطي للحكم على الأشياء من جهة، و مدى استجابة الإنسان إلى عملية الإصلاح العقائدي و تبنّي الثوابت و عدم الانحراف عنها من جهة أخرى.
و من هنا لا بد للأمة متمثلة في علمائها و دعاتها و نخبها ومفكريها و من حملة القلم من يمتثلوا للواجب الشرعي والتكليف الإلهي من ضرورة السعي لإيقاف هذا اللهث وراء تبني أفكار و سلوكيات(آلهة) تشابهه أنماط وسلوكيات (آلهة) الآخرين. فلا بد لنا من أن نتميز عنهم، و دعوى التميّز هذه ليست من أجل التميّز، و إنما هي منسجمة مع سنن الله الذي شاء أن يمتحن خليفته في الأرض (الإنسان) ليميزّ بين خبيث أفعاله و طيّبها و بين مواقف الحق و الباطل.
لنعتبر من عبر القران الكريم ولنستقرئ سنن الله تعالى في الخلق و نستجلي عواقب الأمور لننجح في امتحان التميّز الذي لا بد منه و أن لا نطلب ما طلبه بنو إسرائيل (جهلا و عتوا و عنادا) من نبيهم من موسى عليه السلام.


هاشم رشيد
14/6/2004
hramemet@yahoo.com


أحاديث الأسابيع الماضية

جمعية أخوان البر لرعاية الأنسان والبيئة