|
لا شك إن صلة الرحم والتراحم واحدة من أهم ما يميز الصنف البشري، حيث يمتاز الإنسان دون غيره من المخلوقات بالميل الفطري نحو بني جنسه بشكل عام، و بالأخص نحو أولئك الذين يرتبطون معه برابطة الدم و مرورا بالأقرباء ثم الأبعد قرابة وهكذا. و كأي غريزة فطرية لا يمكننا أن نتصور أنها يمكن إن تلعب دورا أساسيا في بناء و تكامل حياة الإنسان وتطورها إلا بعد أن يتم توجيهها من قبل العقل، وليس أي عقل وإنما العقل الواعي والمدرك لأهمية استثمار و ترسيخ هذه الفطرة الإنسانية السليمة والمحافظة عليها
ومن هنا تبرز لنا بوضوح خطورة تجاهل مثل هذه الميزة الإنسانية الهامة والتفريط بها، لأن حياة الإنسان مبنية على مبدأ العمل بالتكليف والواجب الشرعي من جهة والتمتع بالحقوق واستثمار نعم الله عز و جل من جهة أخرى، مضافا لها ظاهرة الأخذ والعطاء و السلسلة المستمرة من التضحيات والمصالح المتبادلة بين الناس، كل هذا يجعل من المستحيل على الحياة البشرية أن تسير على نسق منتظم و سليم إلا عبر القنوات الصحيحة والروابط المتينة. ومن هنا تظهر لنا بجلاء أهمية وخطورة الدور الذي تلعبه صلة الرحم في رسم صورة الحياة وتحديد طعمها ونكهتها لكونها جسور الأمان الممتدة بين أفراد المجتمع و قناة التواصل الحميمة التي تمر من خلالها المشاعر والأفكار والبذل والعطاء والتضحيات والحاجات و النصائح إلى غير ذلك من الظواهر السلوكية التي تجسـد إنسانية الإنسـان. إذن هي (صلة الرحم) الوسط الأســاسي الذي ينمو فيه ويرتقي الأداء الإنسـاني وتبرز فيه السمات المميزة للإنسـان
لقد أولى القرآن الكريم و سيرة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم و سيرة أهل البيت عليهم السلام، اهتماما بالغا بهذا الموضوع وذلك انطلاقا من فكرة بالغة الأهمية وهي إن (قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) والتي هي بمثابة الركيزة الأساسية لحصانة المجتمع، لا يمكن أن ترى النور أو أن تطبّق على أرض الواقع بفعالية وكفاءة إلا من خلال مجتمع متراحم، وبكلمة أخرى إن المجتمع الذي لا تسود فيه الصلات الحميمة والقوية بين أفراده و لا تُحترم فيه صلة الرحم، لا يمكن له أن يأمر بفعل الخير و المعروف و ينهى عن الفساد و الشر والطغيان و المنكر و كافة الأفكار والممارسات المنحرفة عن روح الإسلام، وهنا تكمن الخطورة الكبرى، فمثل هذا المجتمع مهما كان يحمل من منظومة قيم وتقاليد إسلامية عظيمة و أفكار مستمدة من روح الإسلام، لا يتمكّن من الاستفادة منها واستثمارها للنهوض بمستوى حياته، كما أنه لا يقوى على الوقوف بوجه الأخطار التي تهدده من الداخل والخارج، لأنه لا يمتلك الجسور والقنوات التي من المفترض أن تعبر من خلالها تلك الأوامر والنواهي إلى فئات المجتمع كما أن منظومة القيم و الأخلاق سوف لن تجد طريقها للانتشار والرسوخ في وعي وضمير المجتمع، و بالتالي سنجد أن هذا النوع من المجتمعات هو الأكثر عرضة دائما للهزات التي قد تعصف به وتطيح بكل ما يملكه من بقايا موروثه الاجتماعي ومنظومته القيميّة والأخلاقية. وهذا يتضح لنا من خلال النصوص القرآنية التي تحدثت عن هذه الظاهرة، كما في قوله تعالى يصف أولي الألباب{أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب* الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق*والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب}-21،20،19 الرعد، و قوله تعالى{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وألئك هم المفلحون}- 104 آل عمران. و قوله تعالى {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}-71 التوبة. وقوله تعالى {الذين إن مكناهم بالأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}- 41 الحج. وبنفس هذا السياق جاءت الأحاديث الشريفة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأحاديث أهل البيت عليهم السلام. فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):(لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نُزعت منهم البركات، وسُلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء)، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:(سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك ومواساة الأخ في الله تعالى وذكر الله تعالى على كل حال) ـ
بالإضافة إلى ذلك نجد إن من الآثار الإيجابية التي وردت على لسان المعصومين عليهم السلام التي تترتب على احترام صلة الرحم هي زيادة العمر و نمو الأرزاق و غفران الذنوب وهذه الأمور هي ليست من الغيب المحض بل إن فيها جانب كبير من القضايا الحسّية التي تخضع لقاعدة الأخذ بالأسباب ما يمكننا أن نلمسه ونحس به، فالفرد الذي يحتفظ بصلات متينة مع أرحامه لن يعاني الفقر والحاجة لأنه سيجد دائما الكثير من أرحامه وأقربائه يقفون إلى جانبه بكل محبة ومودة ويعينونه على قضاء حاجته و يكونون سببا في تنمية رزقه (بفضل الله تعالى) كما أن نفس ذلك الفرد عندما يعيش في وسط أسرة أو عشيرة متراحمة سيكون دائما محكوما بالمنظومة الأخلاقية لأفراد مجتمعه لقربهم منه و قربه منهم و بذلك يكون اقل ميلا للانحراف عن القيم والأخلاق، وحتى عندما تزل قدمه عن الطريق الصحيح فإنه سيجد دائما الكثير من أرحامه و أقربائه من يقفون إلى جانبه ويحاولون إعادته إلى جادة الحق عبر علاقتهم الطيبة مع بعضهم البعض وبذلك يكسب رضا الله تعالى وغفران الذنوب وهذا ما لا نجده في حالة المجتمع الذي لا يتصف بالتراحم. وهنا تجدر الإشارة إلى أمر مهم وهو إن من المؤسف أننا نرى كثيرا من الأسر و العائلات في مجتمعنا، عندما ينحرف أحد أفرادها عن السلوك الصحيح (مثل ترك الصلاة و الصيام أو شرب الخمر أو ممارسة المحرمات . . . ألخ) وبدلا من أن تقف إلى جانبه و تحاول توظيف صلات الرحم المتينة لغرض احتوائه وإعادته إلى السلوك الصحيح نجدها مع بالغ الأسف تنفر منه وتحاول عزله (و قطع ما أمر الله به أن يوصل) متذرعة بأن هذا الفرد يشكّل عار على الأسرة والحقيقة إن العار الحقيقي هو أن تفقد الأسرة أحد أفرادها من خـلال عزله وتركه يسقط في مستنقع الخطيئة والرذيلة في الوقت الذي كان يمكن إنقاذه مـن هذه الهـاوية عبر صـلة الرحم، فالمحافظة على صلة الرحم مع الفرد المنحرف من ذوي القربى لا يعني بالضرورة (و هذا ما يعتقده الكثير منا خطئا) القبول بأعماله والدخول فيما هو فيه وإنما استثمار لصلة الرحم لإنقاذ فرد مسلم مما هو فيه من خطر الانحراف، وهذا يمثل قمة الأداء الإنساني للمسلم الملتزم الذي لا يعنيه أمر نفسه فقط من خلال التباهي بالصلاة والصوم و الحج و أداء الطاعات وإنما يهمه أمر كل المسلمين و لا سيما ذوي القربى
و من هنا نجدد الدعوة إلى إعادة النظر في كل ما أصاب مجتمعنا من بلاء و فقر جوع و انحراف سلوكي و تفشي للأفكار المنحرفة وتسلط وقمع و سحق لكل ما هو نبيل و محاولة تتبع أسباب كل ذلك والتساؤل عما ستكون الحالة لو كنا مجتمعا متراحما يقدس صلة الرحم التي فرضها الله تعالى علينا ( ولا يعذر أحدا منا في قطعها) كما حث عليها نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم و أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، و في هذا السياق ربما يقول قائل إننا ورثنا من الآباء والأجداد أعباءً ثقيلة وتركة كبيرة من قطيعة الرحم و هجر ذوي القربى و كمًّ كبيراً من ثقافة التفكك و العزلة، ولكن هذا لا يخلي مسؤوليتنا وذممنا أمام الله و رسوله من العمل بجد وإخلاص لإصلاح ما فسد من صلات و توثيقها و مد جسور الأمان بين الناس و تحصين المجتمع من الأخطار التي تحدق به
هاشم رشيد
20/5/2003
|